كلمة العدد: أعداء الفلسفة وخصوم الفن
الدكتور الصديق الدهبي
ينشغل الفكر الأصيل عادةً بطرح
الأسئلة الجوهرية، التي تقوى على اختراق وخلخلة حصون السرديات الثابتة والجاهزة،
وتعرية الجمود والكسل والخوف والغموض والالتباس، سواء في شقه المتعلق بالفكر نفسه
أو بالمناهج التي تقودنا إليه، بما في ذلك قدرته على المساءلة العقلية للعقل. وحين
يتعلق الأمر بالإبداع الفلسفي والفني، غالبًا ما يكون المنطلق هو الخوض في جوهر
هذه الموضوعات وأسسها ومنطلقاتها، أو لنقل هويتها التي يجاب عنها بطرح سؤالين
محوريين: الأول؛ بشأن ما الفلسفة؟ والثاني؛ يبحث في مطلب ما الفن؟ على أساس أن هذا
المدخل هو الذي يفضي إلى بناء تصور واضح لتقاطعات المسارين، وأدوارهما في تحرير
الإنسان الحديث والمعاصر من استعصاء الأسئلة الوجودية.
وضمن مجرى التداول في الموضوعين، أو
بالأحرى محاولة الجواب والتفاعل مع السؤالين لاستنطاق كنه الفلسفة وجوهر الفن،
تتضح أكثر صور التطابق والتشابه بينهما في عدد لا بأس به من الرهانات والغايات،
فهما وإن اختلفا أكيد في أنماط التعبير وطبيعة الموضوعات واللغة، وفي كون الفن لا
يجاور الفلسفة إلا من حيث كونه موضوعًا من موضوعاتها المعنية بسؤال الجمال،
ومعايير الحكم وملكاته، إلا أن «فلسفة الفن» حوّلَت هذا التباعد المُحتمل،
إلى واحة شاسعة من ممكنات النظر في الإبداع البشري، وقدرات الإنسان على الخيال
والتخيُّل والتمثيل والتمثُّل، بسعيها نحو تعقُّل هذا الأفق
الواسع الذي تنشده الموسيقى والمسرح والسينما والرسم، على اعتبار أن هذه الأشكال
الإبداعية والتعبيرية هي التي بيدها تجاوز صرامة وحدود المعرفة الفلسفية الصارمة،
وشروط الخضوع لحتمية المقدمات والنتائج المنطقية، التي هي أساس القول الفلسفي
ومادته الأولى.
لكن وبعيدًا عن هذا التداخل، هناك
رباط من نوع آخر يجمع الفلسفة بالفن، يكمن في «وحدة
الخصوم» و«تشابه الأعداء»، ذلك أنهما معًا يقفان في الوجه المقابل للخوف،
والبلاهة، والجمود، والتحجر، والكسل، والظلم، والاحتقار، والإيمان الأعمى، والقبول
المطلق، والخضوع، والتبعية، والاستلاب، وكلاهما في جوهره وهويته هو شكل من أشكال
المقاومة ضد التعصب، والكراهية، والاستبداد، والاتكالية، والوصاية، والتشدد،
والانحياز أو التحمس الشديدين، والانفعال...، تقابلها لائحة أخرى مخالفة تماما
ونقيضة لما سبق، تسعى الفلسفة كما الفن إلى توطيدها وتثبيتها كأركان أخلاقية
وإبداعية وإنسانية ومعرفية، تشمل توطين شروط النهضة والحرية والجرأة على استخدام
العقل، وتكريس المعرفة والوعي، وتثمين التسامح والمشتركات الإنسانية والحوار
الثقافي والحضاري، والإيمان بالحق الجماعي في التعدد والاختلاف، وما جاورها من
مبادئ ومقولات وقيم.
وعودة إلى التاريخ، سيبدو أن
الزواج بينهما كان حاسمًا مثلًا في إنبات شروط النهضة الحضارية والفكرية، سواء في
زمن اليونان، حيث نُظر إلى الجمال والفن كجزء أصيل من بناء المشروع الحضاري،
وباستثناء ربما «أفلاطون» الذي فرض نسقه وضع الفن في صنف الصور المستنسخة والمحاكِية
للعالم، فإن أغلب الأطروحات والمشاريع الفكرية رأت في
الموسيقى وغيرها روحًا تتجسد، وإبداعًا يحكي تناغم الكون وجماليته، وتعبيرًا
إنسانيًا صادقًا عن نقاء الروح وصفائها، ومدخلًا لتطهيرها من سطوة الرغبة غير
الخاضعة للشروط والحدوس الأخلاقية والسياسية، تأسيسًا للعيش المشترك ومبادئ
الطَّبْع الاجتماعي والمدني.
كما نُظر إلى الفن والجمال في صيغته الإبداعية
التي يجري الرهان عليها لخلق الانسجام مع الطبيعة والروح، والقيم الأخلاقية
والتمثلات المرتبطة بالخير، وتجاوَرَ خلال هذه الحقبة الفن والفلسفة في أزقة
أثينا، وخلقا معًا روح الحياة المدنية التي تقيم وزنًا للشعر والمسرح والعمارة
والنحت، وراهن اليونانيون حينها على التربية الفنية والجمالية، كمدخل لا بد منه من
أجل تخليق الحياة العامة، وتطوير النقاش العمومي بقواعده الحوارية والفلسفية، والتي
صنعت أو على الأقل طوَّرَت فنونًا جديدة في الخطابة والإقناع والحجاج والسجال
والتواصل والإيمان بالتعدد والحق في الاختلاف، لأجل مواجهة كل أشكال الوصاية التي
كانت تكبل الذوق والوعي، كما نُظر للفن وتذوق الجمال كمدخل لتهذيب
للنفس من شرورها كما في تقدير «أرسطو»، الذي اعتبر أن التعبيرات الجمالية هي فلسفة
«فعل»، يتخذها الإنسان طريقًا للتخلص من «الانفعالات»، باتخاذ التأمل في الكون
المنسجم (الكسموس Cosmos)
طريقًا.
في حين شكلت المراحل التالية تراجعًا في تقدير
مكانة الفن والتفكير الحر والإبداعي، والذي تضرَّرَ في العصور الوسطى لعدة
اعتبارات أبرزها؛ هيمنة تصورات نكوصية هيمن عليها القول الديني، بعد أن صار رهانه
الأساسي متوجهًا نحو إقامة الوفاق بين القولين الفلسفي واللاهوتي، لتبرير الأخير
في الغالب تشدُّدًا، وانخرطت الفلسفة كما الفن حينها وتحت إجبار الكنيسة، في خدمة
هذه السلط الجديدة، لمَّا منحتها تبريرًا ساعدها على تثبيت تلك المنظومة
التقليدية، فكان هذا العصر الموصوف غالبًا في التاريخ بالرجعية والردة على
الإبداع، هو أشبه ما يكون بعصر خصوم الفلسفة وأعداء الفن، سواء تعلق الأمر بالتشدد
الذي ميزه، أو سطوة السلط الفوقية ومنطق التبعية والوصاية، وهيمنة انفعالات
العُصاب الديني، أو تكريس نزعة العناية الإلهية، وجعل السمو مرادفًا للتأمل في
عظمة الخالق.
بعدها انبعث عصر النهضة، كمرحلة لتصفية
الحسابات مع السابق، وكان فيه الرهان موجهًا بالأساس إلى استثمار الروح الإبداعية
في الفن والأدب والفلسفة، من أجل تهيئة البنية التحتية للتفكير الحر والإبداعي،
مرورًا بتصفية الحساب مع أي سلطة أعلنت العداوة والخصومة ضد الفن والفلسفة والأدب
وباقي ممكنات وملكات التفكير والحكم والخيال، فأنجبت فيما أنجبته أعمالًا فنية
خارج عُرف الاحتفاء بالكنيسة ومعمارها وجدارياتها ونوافذها، ومسارات جمالية تريد
تكسير القيود والحواجز، تبلورت فيما بعد ضمن براديغم فلسفي مغاير، يريد الاحتفاء
بالذات الحرة والفاعلة والمبدعة والمفكرة.
وهكذا؛ جرى تثمين محورية الذات والعقل في
صياغة منظومة قول فنية وعلمية وفلسفية، تريد التحرر من أعباء «سحر العالم» عملًا
على تفكيكه وزواله ونزعه كما يقول «ماكس فيبر»، في حديثه عن مسارات التخلص من أسس
المنظومة الفكرية التقليدية التي أصابها العياء والضعف، وتحويل عناصر الرجعية التي
رُبطت بالعصور الوسطى، إلى موضوعات للمحاكمة العقلية والجمالية والفنية، انطلقت في
مهدها الأول كحركة تحرر فني من قلب عواصم «إيطاليا»، ومدنها التاريخية كروما
وفلورنسا، بما عنته في السابق من رمزيات دينية، احتضنت تاريخ وروح الكنيسة، إلى
مهد جديد للانبعاث والنهضة وإعادة إحياء النَّفس الإبداعي، وأسس النزعة الإنسانية
المتحررة من السلطة المطلقة للكنيسة.
قبل أن تنتقل هذه النزعة الإنسانية إلى رغبة
تحقيق وعد تعميم الخبر السعيد، بنشر المعرفة العلمية والفلسفية على الجموع، عوض
الاحتكار التقليدي للقول وسلطة التفسير من قبل رجال الدين، فكانت بذلك الخطوة
الأولى في مسار التنوير والنهضة، خاصة بتثبيتها مع «إراسموس- بيكو ديلا ميراندولا»
وغيرهم، سردية جديدة مغايرة ترفض النظرة الدونية للإنسان، ومنطق التراتب التقليدي
الذي يشرْعِنُ سلوك رجال الدين، وتقوم في المقابل على تكريس الذات والنزعة
الإنسانية، كما هو شأن أطروحات «ميراندولا»، ضمن مؤلفه «خطاب في كرامة الإنسان»،
أو سخرية «إراسموس» في «مديح الحمق»، وغيرها من الأعمال التي سعت لتعميم المعرفة
وتقريبها للناس، وفتح السجال والنقاش العمومي في زمن سطوة محاكم التفتيش، وتحكم
الكنيسة المطلق.
فأنجبت فيما أنجبت روحًا فلسفية وفنية وعلمية، هي
نفسها التي تختصرها صيغة الأمر الكانطي في حديثه عما التنوير؟ وهي الصيغة التي
صارت رمزًا لعصر بأكمله (تجرأ على استخدام عقلك)، وعنَت فيما عنته تجاوز الكسل
والخوف، وامتلاك الشجاعة والقدرة والجرأة على المعرفة والإبداع، في الفن كما في
الفلسفة والأدب والعلم، والتحول من لحظات الانفعال إلى الفاعلية، ومن الخضوع إلى
الحرية، ومن التقليد إلى الإبداع، ومن الخوف إلى الشجاعة، ومن الوصاية إلى تحرير
الذات.
وتم هذا الانتقال لمَّا اكتملت أركان التجاور
بين الفلسفة والفن وغيرهما من أساسات الإبداع البشري، ولمّا جرى تثبيت سلطة
الملكات المنبثقة من الذات، والتسلُّح بها ضد أعداء المعرفة والوعي والإبداع، حتى
وإن فرضت تلك السياقات الحرجة والطرق الوعرة، دفع أثمنة باهظة يحتفظ بها التاريخ
إلى اليوم، في حق فنانين وأدباء وعلماء وفلاسفة، تحت ذريعة تلك اللائحة الشهيرة من
التهم الجاهزة، التي تدعي أن هذه الأحكام التي وصلت أحيانًا إلى الحرق، كما حدث مع
«برونو» مثلًا، مبرَّرَة بسلطة منع الهرطقة، والزندقة، والبدعة، وحماية صفاء
المعتقد الديني، ما استدعى تلك النهضة الفكرية والثقافية والحضارية، حتى ولو على
حساب حياة بعضهم، وكأنها رسالة مفادها أن هذه الحياة نفسها لا تحلو إلا بكسر شوكة
أعداء الفن وخصوم الفلسفة، وأن العيش الحقيقي لا يكون بجوار هذه الشرور.
وتخصيص ملف هذا العدد من مجلتنا لثنائية «الفلسفة
والفن»، يأتي في هذا السياق تحديدًا، الذي ينشد تكريس حقيقة أن هذه النهضة
الحضارية والثقافية والفكرية، تشترط توفير البنية التحتية للإبداع في عالمنا
العربي تحديدًا، وتتطلب مواجهة مسؤولة وصارمة وجدية ونقدية، تجاه كل أشكال الوهن
والبلاهة والخضوع والوصاية والظلم والاحتقار، وتشترط مواجهةً واشتباكًا علميًا
ومعرفيًا وإبداعيًا، مع جميع أشكال التأخر التاريخي، وصور الهشاشة التي تخترق
الفضاء العام، وحالة الخواء الإبداعي الذي ينخر غالبية منظوماتنا العربية
المعاصرة، ومظاهر الانحطاط والتردي التي تسم المشهد الفني والثقافي والفلسفي، وكل
الهجمات المسعورة التي تريد النهش في جسم الوعي والإبداع العربيين، وتتخذ من
مهاجمة هذه الشروط النهضوية مشروعًا –غير شرعي- وهدفًا لها.
فكانت مساهمات هذا العدد موجَّهةٌ بالأساس نحو هذه الرهانات، وقصدها
فتح سجالات ونقاشات تتعلق بموضوعات ذات الصلة، من قبيل "التربية والفن عند جون جاك روسو بين الطبيعي والثقافي" للباحثة شيماء اضباني ومقال "الإنسان الجمالي
عند نيتشه" للدكتور محمد امفزع.
تعليقات
إرسال تعليق